سيد قطب

2829

في ظلال القرآن

عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرا لها ، أو عيبا لشيء من خصائصها ، أو نقدا لسمة من سماتها ، أو تنقصا لصفة من صفاتها . وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره ! والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان ، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية ؛ أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة ، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون اللّه ومساعدته . وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويكفي أن عمر - وهو من هو - قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي . وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم . جاء في الصحيح . . « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة . اقرءوا إن شئتم ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا . وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه » . والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه ؛ ويعول عياله من بعده إن كانوا صغارا . وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال ، ولا إلى فورة شعورية استثنائية . مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء . فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته ؛ أو أن يهبه في حياته . . « إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً » . . ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى ، ويقرر أن هذه إرادة اللّه التي سبق بها كتابه الأزلي : « كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً » . . فتقر القلوب وتطمئن ؛ وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم . بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية ؛ وتسير في يسر وهوادة ؛ ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد . ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان ، كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة . وبمناسبة ما سطر في كتاب اللّه ، وما سبقت به مشيئته ، ليكون هو الناموس الباقي ، والمنهج المطرد ، يشير إلى ميثاق اللّه مع النبيين عامة ، والنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأولي العزم من الرسل خاصة ، في حمل أمانة هذا المنهج ، والاستقامة عليه ، وتبليغه للناس ، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها ؛ وذلك حتى يكون الناس مسئولين عن هداهم وضلالهم وإيمانهم وكفرهم ، بعد انقطاع الحجة بتبليغ الرسل عليهم صلوات اللّه وسلامه : « وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ، وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؛ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً . لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ، وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً » . . إنه ميثاق واحد مطرد من لدن نوح - عليه السّلام - إلى خاتم النبيين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ميثاق واحد ، ومنهج واحد ، وأمانة واحدة يتسلمها كل منهم حتى يسلمها . وقد عمم النص أولا : « وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ » . . ثم خصص صاحب القرآن الكريم وصاحب الدعوة العامة إلى العالمين : « وَمِنْكَ » . . ثم عاد إلى أولي العزم من الرسل ، وهم أصحاب أكبر الرسالات -